ابن كثير

224

البداية والنهاية

وقد وقع هذا في هذه السنة - أعني سنة أربع وخمسين وستمائة - كما ذكرنا ، وقد أخبرني قاضي القضاة صدر الدين علي بن أبي القاسم التميمي الحنفي الحاكم بدمشق في بعض الأيام في المذاكرة ، وجرى ذكر هذا الحديث وما كان من أمر هذه النار في هذه السنة فقال : سمعت رجلا من الاعراب يخبر والدي ببصرى في تلك الليالي أنهم رأوا أعناق الإبل في ضوء هذه النار التي ظهرت في أرض الحجاز . قلت : وكان مولده في سنة ثنتين وأربعين وستمائة ، وكان والده مدرسا للحنفية ببصرى وكذلك كان جده ، وهو قد درس بها أيضا ثم انتقل إلى دمشق فدرس بالصادرية وبالمعدمية ، ثم ولي قضاء القضاة الحنفية ، وكان مشكور السيرة في الاحكام ، وقد كان عمره حين وقعت هذه النار بالحجاز ثنتا عشرة سنة ، ومثله ممن يضبط ما يسمع من الخبر أن الأعرابي أخبر والده في تلك الليالي ، وصلوات الله وسلامه على نبيه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا . ومما نظمه بعض الشعراء في هذه النار الحجازية وغرق بغداد قوله : سبحان من أصبحت مشيئته * جارية في الورى بمقدار أغرق بغداد بالمياه كما * أحرق أرض الحجاز بالنار قال أبو شامة : والصواب أن يقال : في سنة أغرق العراق وقد * أحرق أرض الحجاز بالنار وقال ابن الساعي في تاريخ سنة أربع وخمسين وستمائة : في يوم الجمعة ثامن عشر رجب - يعني من هذه السنة - كنت جالسا بين يدي الوزير فورد عليه كتاب من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم صحبة قاصد يعرف بقيماز العلوي الحسني المدني ، فناوله الكتاب فقرأه وهو يتضمن أن مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم زلزلت يوم الثلاثاء ثاني جمادى الآخرة حتى ارتج القبر الشريف النبوي ، وسمع صرير الحديد ، وتحركت السلاسل ، وظهرت نار على مسيرة أربع فراسخ من المدينة ، وكانت ترمي بزبد كأنه رؤوس الجبال ، ودامت خمسة عشر يوما . قال القاصد : وجئت ولم تنقطع بعد ، بل كانت على حالها ، وسأله إلى أي الجهات ترمي ؟ فقال : إلى جهة الشرق ، واجتزت عليها أنا ونجابة اليمن ورمينا فيها سعفة فلم تحرقها ، بل كانت تحرق الحجارة وتذيبها . وأخرج قيماز المذكور شيئا من الصخر المحترق وهو كالفحم لونا وخفة . قال وذكر في الكتاب وكان بخط قاضي المدينة أنهم لما زلزلوا دخلوا الحرم وكشفوا رؤوسهم واستغفروا وأن نائب المدينة أعتق جميع مماليكه ، وخرج من جميع المظالم ، ولم يزالوا مستغفرين حتى سكنت الزلزلة ، إلا أن النار التي ظهرت لم تنقطع . وجاء القاصد المذكور ولها خمسة عشر يوما وإلى الآن . قال ابن الساعي : وقرأت بخط العدل محمود بن يوسف بن الا معاني شيخ حرم المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ، يقول : إن هذه النار التي ظهرت بالحجاز آية عظيمة ، وإشارة صحيحة دالة على اقتراب الساعة ، فالسعيد من انتهز الفرصة قبل الموت ، وتدارك أمره بإصلاح حاله مع الله عز وجل قبل الموت . وهذه النار في أرض ذات حجر لا شجر فيها ولا نبت ،